سيد محمد طنطاوي
205
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
على الصبر ، ويزم نفسه بزمامه ، ويقيدها بقيده ، فإن الجزع لا يرد قضاء قد نزل ، ولا يجلب خيرا قد سلب ، ولا يدفع مكروها قد وقع . . « 1 » . ثم أمر - سبحانه - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يبين للناس ما أمره به خالقه فقال : * ( إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّه مُخْلِصاً لَه الدِّينَ ) * . أي : قل لهم يا محمد إني أمرت من قبل اللَّه - عز وجل - أن أعبده عبادة خالصة لا مجال معها للشرك أو الرياء ، أو غير ذلك مما يتنافى مع الطاعة التامة لخالقي - سبحانه - . * ( وأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ) * أي : أمرني ربي بأن أخلص له العبادة إخلاصا تاما وكاملا ، لكي أكون على رأس المسلمين وجوههم له ، حتى يقتدى بي الناس في إخلاصي وطاعتي له - عز وجل - . قال - تعالى - : قُلْ إِنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيايَ ومَماتِي لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ ، لا شَرِيكَ لَه وبِذلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ . وقوله - سبحانه - : * ( قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ) * بيان لسوء عاقبة الشرك والمشركين . أي : وقل لهم - أيها الرسول الكريم - إني أخاف إن عصيت ربي ، فلم أخلص له العبادة والطاعة ، عذاب يوم عظيم الأهوال : شديد الحساب ، وهو يوم القيامة ، ولذلك فأنا لشدة خوفي من عذاب خالقي ، أكثرهم إخلاصا له - عز وجل - وامتثالا لأمره ، ومحافظة على طاعته . * ( قُلِ اللَّه أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَه دِينِي ) * أي . وقل لهم - أيضا - : اللَّه - تعالى - وحده هو الذي أعبده عبادة لا يحوم حولها شرك ، ولا يخالطها شيء من الرياء أو التكلف . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد أمر نبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يعلن للناس بأساليب متنوعة ، أنه لن يتراجع عن طاعته التامة لربه ، وأن عليهم أن يتأسوا به في ذلك . قال الجمل : أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم أولا : بأن يخبرهم بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فيها . وثانيا : بأن يخبرهم بأنه مأمور بأن يكون أول من أطاع وانقاد وأسلم . وثالثا : بأن يخبرهم بخوفه من العذاب على تقدير العصيان . ورابعا : بأن يخبرهم بأنه امتثل الأمر وانقاد وعبد اللَّه - تعالى - وأخلص له الدين على أبلغ وجه وآكده ، إظهارا لتصلبه في
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 4 ص 454 .